المهارة القيادية التي تحسّن القرار وتقلل الأخطاء

التاريخ : 2025-12-22

مدة القراءة : 3 دقائق

لفترة طويلة، كانت الثقة هي العملة الأساسية في القيادة. صُوِّر لنا القائد الجيد على أنه الواثق، الحاسم، الذي لا يتردد ولا يُظهر شكًا. لكن هذا التصوّر لم يعد يصمد أمام واقع القيادة اليوم. الأبحاث الحديثة تكشف مفارقة مهمة في مفهوم "التواضع": ما اعتُبر ضعفاً قيادياً في فترة سابقة، يتحوّل اليوم إلى واحدة من أهم مهارات القيادة في البيئات عالية التعقيد. ليس بوصفه قيمة أخلاقية مجردة، بل كأداة عملية تحسّن جودة الحكم، وتعزّز الثقافة التنظيمية، وتقلّل الأخطاء الاستراتيجية، وتبني مؤسسات أكثر قدرة على التكيّف.

التواضع كطريقة قيادة

تجربة فريد دياز المهنية تعكس هذا التحول بوضوح. مسيرة امتدت عبر كرايسلر، ونيسان، وميتسوبيشي، شملت أدواراً تنفيذية عليا في الولايات المتحدة، والمكسيك، واليابان، وانتهت بعضوية مجالس إدارة في قطاعات متعددة. وما يجمع هذه المحطات ليس المنصب، بل الذهنية. فدياز يختصر فلسفته القيادية في السعي الدائم لتقديم أفضل ما لديه، وأن يكون أفضل نسخة من نفسه. هذه الذهنية لا تقوم على الاستعراض أو اليقين الزائف، بل على مزيج من التواضع والجوع للتعلّم، وهما عنصران نادران في القيادة التنفيذية، لكنهما اليوم أكثر ضرورة من أي وقت مضى.

لماذا يحتاج القائد المعاصر إلى التواضع؟

القيادة اليوم لا تُمارس في ظروف مستقرة. أحياناً تكون المعلومات ناقصة، والقرارات تُتخذ تحت ضغط، والفرق موزّعة عبر دول وثقافات ومناطق زمنية مختلفة. في مثل هذا الواقع، التمسك بالثقة المطلقة قد يتحول من ميزة إلى خطر. التواضع هنا لا يعني أن تكون متردد أو ضعيف الثقة بالنفس ، بل على العكس، هو القدرة على التعامل مع الافتراضات على أنها قابلة للنقاش والاختبار، وليست حقائق نهائية لا تقبل تقبل المراجعة. هذا ما يسميه الباحثون "التواضع الفكري": الاعتراف بحدود المعرفة، والاستعداد لتعديل الرأي عند ظهور أدلة جديدة. وتؤكد الأبحاث أن القادة الذين يتبنون هذا الأسلوب يصدرون أحكاماً أدق، لأنهم أقل اعتماداً على الحدس، وأكثر ميلاً لاختبار أفكارهم بالبيانات وسماع آراء مختلفة قبل اتخاذ القرار.

التواضع وجودة القرار

القيمة الأعمق للتواضع تظهر في تأثيره المباشر على القرار. دراسات علم النفس السلوكي ومنها أعمال دانيال كانيمان تُبيّن أن فرط الثقة يدفع القادة إلى التقليل من المخاطر، واتخاذ قرارات مبكرة، وإغلاق الباب أمام بدائل أفضل. هنا يعمل التواضع كآلية تصحيح طبيعية: - يدفع القائد لمساءلة افتراضاته. - يفتح المجال للأصوات المخالفة. - يشجّع على جمع أدلة أوسع قبل الالتزام بالقرار. ويعترف دياز بأن كثيراً من أفضل قراراته جاءت بعد ما يسميه "ابتلاع الكبرياء". والمفارقة أن هذا السلوك لم يُضعف مكانته، بل زاد احترام فريقه له، لأن النتيجة كانت قرارات أفضل وأخطاء أقل.

من القرار إلى الثقافة التنظيمية

أثر التواضع لا يتوقف عند جودة القرار، بل يمتد إلى الثقافة التنظيمية. تشير الدراسات إلى أن الفرق عالية الأداء تعتمد على الأمان النفسي، أي شعور الأفراد بأن بإمكانهم التعبير والمساءلة دون خوف من الإهانة أو العقاب. وأساس هذا الأمان هو التواضع عبر الاستماع الحقيقي، الاعتراف بالحدود، واحترام الجميع بغض النظر عن المنصب. أما الإدارة بالخوف فقد تحقق نتائج قصيرة الأجل، لكنها لا تصنع التزاماً، ولا تبني ابتكاراً، ولا تخلق ثقافة قابلة للاستمرار.

التواضع وصناعة القادة

القائد المتواضع لا يحتكر القرار ولا الخبرة. يعطي الفرص، يشارك التجربة، ثم يترك للآخرين مساحة المحاولة واتخاذ القرار. بهذا الأسلوب، لا تُصنع فرق تابعة، بل قادة مستقلون.  ويمتد هذا الوعي القيادي بفهم أن لكل فرد ظروفاً غير مرئية تؤثر في أدائه ما يجعل القيادة أكثر اتزاناً وإنسانية في الأزمات.

الصورة الكبرى

في عالم مليء بالتوقعات والمستهدفات، لم تعد القيادة امتلاكاً للإجابات بقدر ما أصبحت قدرة على التعامل مع المجهول. فالقائد أحياناً يعمل بمعلومات ناقصة ويقين محدود. وهنا يبرز التواضع الفكري وإدراك حدود المعرفة، والتعامل مع القناعات على أنها قابلة للاختبار. حيث يسهم هذا الوعي القيادي بحماية القرار من التسرّع، ويمنح المؤسسة قدرة أعلى على التعلم والتكيّف في واقع تنفيذي سريع التغيّر.

اشترك معنا:

اقرأ المزيد من القصص والأخبار المماثلة يوميًا على بريدك.

شارك القصة عبر :

انسخ الرابط