في زمنٍ من الأزمان، كان التواصل بيني وبينك من الممكن أن يكون أصعب، أو يكاد يكون مستحيلًا حتى، لسببٍ واحد وبسيط: المسافة. وصعوبة وصول البريد بشكل عام، عشان يوصلك ظرف صغير، على تلك الحروف أن تكابد رحلةً أشبه برحلة أوديسيوس شخصيًا، برًا، بحرًا، جوًا، كله حتى تصل ليدينك أنت. لكن.. الإنترنت غيّر وجه التواصل في العالم للأبد، بدل ما تنتظر لأسابيع وأيام لتستلم ردًا أو طردًا، صار الفارق بالدقائق والثواني، ومع ذلك كله، لازال البريد عاملًا أساسيًا في حياتنا، من المستحيل أن نتخلى عنه. نطلب منتجات من دولة أخرى، نستلم مستندات ورقية مهمة، نتبادل الطرود مع البعيدين، ومناقراتنا الشبه يومية مع المندوب اللي ما يدق عليك إلا إذا زانت نومتك تحديدًا، أو الطرد اللي تلقاه بمكتب في “قلايع وادرين”، لازال البريد جزءًا حاضرًا وأساسيًا من حياة كل فرد فينا. الإنترنت رغم إنه حل مشكلة المسافة، إلا إنه لم يتخلص منها.
البريد غيّر وظيفته📫
قبل الإنترنت والشبكة العنكبوتية والجوال والمناديب، كانت الرسالة الورقية هي الطريقة الوحيدة للتواصل مع إنسانٍ آخر، وإرسال رسالة إلى دولة أخرى، موضوع مواله طويل ومتعب ومكلف جدًا. إلى القرن التاسع عشر، ما كان فيه نظام عالمي موحد للبريد. كانت الدول تعقد اتفاقياتها البريدية مع بعضها، ولكل منها قواعدها ورسومها وترتيباتها. يعني إذا بترسل رسالة من فرنسا لروسيا، بتمر بمجموعة رسوم وتكاليف مالها أول ولا آخر، وإذا احتاجت الرسالة إلى المرور عبر دولة ثالثة، زادت العملية المعقدة أصلًا تعقيدًا. تخيل يعني إنك إذا جيت تشحن شحنة، تستعمل أكثر من شركة، وتتواصل مع أكثر من دولة، في سبيل إيصال طرد بسيط جدًا.
الفكرة التي جعلت من العالم قرية صغيرة🌍 رجل ألماني ضاق بالوضع البريدي ذرعًا! جاء هاينريش فون شتيڤان، مسؤول بريدي من اتحاد شمال ألمانيا، وجمع الجميع على خير باقتراح إنشاء اتحاد بريدي دوليّ. اجتمع ٢٢ ممثلًا لدولة في سويسرا، ووقّعوا معاهدة أسست الاتحاد البريدي العام. كانت الفكرة الأساسية أن تتفق الدول على قواعد مشتركة للتعامل مع البريد الدولي، بدل اضطرار كل دولة إلى بناء شبكة منفصلة من الاتفاقيات مع الدول الأخرى. بهذه الطريقة، سهلوا نقل البريد، وصار التواصل مع الآخر في ذاك الزمن، أكثر سلاسة، وبعد قرنٍ من هذا الحدث المفصلي، جاء الإنترنت!
نهاية البريد؟👀 من المنطقي أن نتوقع نهايةً للبريد مع تواجد الإنترنت، لكن الحاصل أن البريد أعاد تقديم نفسه للعالم، بدل أن يكون سبيلًا لنقل الكلمات، صار طريقًا لنقل الأشياء!
من الرسائل للطرود📦 كل طلبية طلبتها بشكلٍ رقمي، احتاجت إلى طريقة لتصل إليك بسلام وسلاسة، خلف هذه الطلبية العادية شبكة ضخمة من مراكز الفرز والنقل والتوزيع، وأنظمة بريدية ولوجستية تربط الشركات والمستهلكين عبر الحدود. صار البريد جزءًا مهمًا من التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية، إضافةً لدوره في الخدمات المالية والحكومية.
أكثر من ١٥٠ عامًا من الرسائل 💌
مع هذا كله، لازال الإنسان يطارد حميمية الرسائل الورقية، وسحر البريد الذي لا يماثله شيءٌ آخر! وفيه شركات قرأت الوضع بمهارة، وهذا الحنين والنستولوجيا الغامرة للماضي وممارساته البسيطة.. ولاحظت أن الناس مستعدين يدفعون مقابل شيء أجدادنا كانوا ماخذينه كأمر مفروغ منه: أن تصلهم رسائل ورقية إلى صناديق بريدهم. اليوم تقدر تلقى عشرات الشركات التي تقدم لك اشتراكًا شهريًا بخدمة رسائل ورقية؛ بعضها يرسل لك رسائل أدبية وقصصًا قصيرة، وبعضها يحوّل الاشتراك إلى تجربة كاملة، برسائل مكتوبة بعناية وأظرف وطوابع وتصميمات تجعل فتح الظرف نفسه جزءًا من المتعة.
عالم البريد📮🌄
وفوق هذا تحوّلت الرسائل نفسها إلى واحد من أعمدة الأدب العريقة؛ يعني مو بس جزء أساسي من الاقتصاد والتجارة وغيرها، تُطبع الكتب خصيصًا لتوثّق الرسائل بين الأدباء والمفكرين والعباقرة. وكتوصية جريدية: جرّب التقاط كتاب من مجموعات رسائل أدبائنا الكبار: جبران خليل جبران (شيّك على التصبيحة!)، غسان كنفاني، رسائل فان جوخ إلى أخيه، رسائل الجاحظ. في هذا اليوم تحديدًا، نحتفي بالبريد، ونتعلم عنه أكثر، ونخوض بين أوراقه الفاتنة، في هذه المساحة البريدية الإلكترونية، مِنّا إليكم قراء جريـــــد الأعزاء. 💌







