
التاريخ : 2025-12-22

مدة القراءة : 3 دقائق
في سباق الرقائق العالمي، لم تنتظر الصين انفراج القيود، ولم تسعَ إلى كسرها مباشرة. وبدلاً من ذلك، اختارت مساراً أكثر هدوءاً وفعالية، يقوم على "إعادة هندسة الممكن" فبينما تضيق قيود التصدير الأميركية والأوروبية الخناق على الوصول إلى أحدث التقنيات، تمكنت المصانع الصينية من رفع إنتاج رقائق الذكاء الاصطناعي عبر تطوير آلات ASML الأقدم، تلك التي كان يُنظر إليها بوصفها غير قادرة على مجاراة متطلبات الجيل الجديد.
تمنع القوانين المعمول بها شركة ASML من تزويد الصين بأحدث آلات الطباعة المتقدمة، مما دفع العديد من المصانع الصينية إلى الاعتماد على أنظمة أقدم، أبرزها Twinscan NXT:1980i، لإنتاج رقائق بدقة ٧ نانومتر، وهي فئة أساسية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية. غير أن التطورات اللاحقة أعادت رسم المشهد؛ فبدل الاكتفاء بالقدرات المتاحة، اتجهت المصانع الصينية إلى تحسين أداء هذه الآلات من الداخل، ضمن حدود الأطر التنظيمية المعلنة ودون تجاوز القيود القانونية القائمة.
بحسب مصادر صناعية، اعتمدت المصانع الصينية على مزيج دقيق من: - شراء مكونات حساسة من السوق الثانوية العالمية. - تحديث منصات الرقائق (Stage) لرفع الدقة الميكانيكية. - استخدام عدسات ومستشعرات أكثر تطوراً لتحسين محاذاة طبقات الرقائق. - الاستعانة بشركات هندسية طرف ثالث لتنفيذ التحديثات داخل المصانع.
النتيجة لم تكن قفزة ثورية، لكنها كانت تحسيناً كافياً لرفع الإنتاج وتقليل بعض الخسائر التشغيلية.
تُعد شركتا SMIC وHuawei أبرز الجهات المستفيدة من اعتماد المصانع الصينية على آلات الطباعة الحجرية الأقدم من شركة ASML، إذ تستخدم الشركتان هذه المعدات لبناء خطوط إنتاج بدقة ٧ نانومتر، مع تحقيق تحسن تدريجي في الكفاءة التشغيلية رغم عدم إتاحة آلات الأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV) للصين. ولا تقتصر القيود التنظيمية على منع بيع آلات EUV فحسب، بل تشمل أيضاً حظر إدخال تحسينات جوهرية على آلات DUV القائمة، مثل رفع دقة التموضع (Overlay) أو زيادة سرعة الإنتاج (Throughput) بأكثر من ١٪. وقد دفع ذلك المصانع الصينية إلى الاعتماد على تقنية التقسيم المتعدد (Multi-patterning)، وهي تقنية تتطلب زمن تشغيل أطول وتكاليف أعلى، وتؤدي عادةً إلى انخفاض نسبة الرقائق الصالحة للإنتاج، غير أن الترقيات المحدودة التي أُدخلت على بعض المكونات ساعدت في التخفيف من هذه التحديات، وأسهمت في تحقيق إنتاج أكثر استقراراً لرقائق الذكاء الاصطناعي، يعني كما يقول المثل العربي: الحاجة أم الاختراع.
تشير تقارير TechInsights إلى أن SMIC تمكنت من تجاوز حدود عقدة ٧ نانومتر باستخدام تقنية التقسيم المتعدد (Multi-patterning)، ورغم أن هذه التقنية تتطلب وقت تشغيل أطول وتكلفة أعلى، وتؤثر على نسبة الرقائق الصالحة للإنتاج، فإنها سمحت للصين بالاستمرار في تطوير رقائق متقدمة ضمن القيود القائمة. وفي السياق ذاته، كشف معالج Kirin 9030 من Huawei عن أكثر عملية تصنيع تقدّماً وصلت إليها الصين حتى الآن، وفق تقديرات محللي القطاع. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأنها تحققت دون الوصول إلى آلات الأشعة فوق البنفسجية القصوى (EUV)، أو منظومة المعدات المتقدمة المتاحة لشركات رائدة مثل TSMC وSamsung، ما يجعل هذا التقدم محل متابعة واسعة داخل صناعة أشباه الموصلات العالمية.
تعمل الولايات المتحدة، بدعم من هولندا واليابان وكوريا الجنوبية، على إبطاء التقدم التقني للصين عبر قيود تصدير مشددة، إلا أن التجربة تُظهر أن هذه القيود لا توقف الابتكار، بل تعيد توجيهه نحو مسارات بديلة.
اقرأ المزيد من القصص والأخبار المماثلة يوميًا على بريدك.
